أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
371
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الأخفش ، والكوفيون ، قال : « وهو الصحيح » . قلت : وتمثيل ابن عطية بقوله : « ضربتك زيدا » ، قد يدفع عنه هذا الردّ . وقال مكي : « ويجوز الرفع في الكلام على القراءة من قرأ بالياء ، على البدل من « بني إسرائيل » . قلت : أمّا الرفع فقد تقدم أنه قرىء به ، وكأنه لم يطلع عليه ، وأما الجر فلم يقرأ به فيما علمت ، ويرد عليه في قوله : « لأن المخاطب لا يبدل منه الغائب ، ما ورد على ابن عطية ، بل الأولى ، لأنه لم يذكر مثالا يبين مراده ، كما فعل ابن عطية ، قوله : مَنْ حَمَلْنا يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة . قوله : وَقَضَيْنا . قضى : يتعدى بنفسه فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً « 1 » - فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ « 2 » ، وإنما تعدى هنا ب « إِلى » لضمنه معنى أنفذنا وأوحينا ، أي : وأنفذنا إليهم بالقضاء المحتوم . ومتعلق « القضاء » محذوف ، أي : بفسادهم وقوله : لَتُفْسِدُنَّ جواب قسم محذوف ، تقديره : واللّه لتفسدن . وهذا القسم مؤكد لمتعلق القضاء ، ويجوز أن يكون « لَتُفْسِدُنَّ » جوابا لقوله « وَقَضَيْنا » ، لأنه ضمن معنى القسم . ومنه قولهم : « قضاء اللّه لا فعلي » ، فيجرون القضاء والقدر مجرى القسم ، فيتلقيان بما يتلقى به القسم . والعامة على توحيد « الْكِتابِ » مرادا به الجنس ، وابن جبير ، وأبو العالية « فِي الْكِتابِ » على الجمع ما جاءوا به نصّا في الجمع . وقرأ العامة بضم التاء ، وكسر السين ، مضارع « أفسد » ، ومفعوله محذوف ، تقديره : لتفسدن الأديان ، ويجوز ألّا يقدر مفعول ، أي : ليوقعن الفساد ، وقرأ ابن عباس ، ونصر بن علي ، وجابر بن زيد : « لتفسدنّ » ببنائه للمفعول ، أي : ليفسدنكم غيركم ، إما من الإضلال أو من الغلبة : وقرأ عيسى بن عمر بفتح التاء وضم السين ، أي : فسدتم بأنفسكم . قوله : مَرَّتَيْنِ منصوب على المصدر ، والعامل فيه « لَتُفْسِدُنَّ » ، لأن التقدير مرتين من الفساد . قوله : « عُلُوًّا » العامة على ضم العين ، واللام مصدر علا يعلو ، وقرأ زيد بن علي « عليّا » بكسرهما ، والياء المشددة ، والأصل : الواو ، وإنما أعلّ على اللغة القليلة ، وذلك أن فعولا المصدر الأكثر فيه التصحيح ، نحو : عتاعتوا ، والإعلال قليل ، نحو : أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا على أحد الوجهين ، كما سيأتي ، وإن كان جمعا فالكثير الإعلال نحو : جِثِيًّا ، وشذّ : بهو بهوّ ، ونحو ونحوّ . وقاسه الفراء . قوله : . . . وَعْدُ . . . أي : موعود ، فهو مصدر واقع موقع ، مفعول ، وتركه الزمخشري على حاله ، لكن بحذف مضاف ، أي : وعد عقاب أولاهما ، وقيل : الوعد بمعنى الوعيد ، وقيل : بمعنى الموعد الذي يراد به الوقت ، فهذه أربعة أوجه ، والضمير عائد على المرتين . قوله : « عِباداً » العامة على « عباد » بزنة « فعال » ، وزيد بن علي ، والحسن « عبيدا » على فعيل ، وقد تقدم الكلام على ذلك . قوله : « فَجاسُوا » عطف على « بَعَثْنا » ، أي : ترتب على بعثنا إيّاهم هذا . والجوس ، والجوس - بفتح الجيم وضمها - مصدر جاس يجوس ، أي : فتّش ونقّب ، قاله أبو عبيد . وقال الفراء : « قتلوكم » ، قال حسان - رضي اللّه عنه - : 3055 - ومنّا الّذي لاقى بسيف محمّد * فجاس به الأعداء عرض العساكر « 3 » وقال أبو زيد : الجوس والحوس والعوس : طلب الطّواف باللّيل ، وقال قطرب : جاسوا : نزلوا ، وأنشد قول الشاعر : فجسنا ديارهم عنوة * وأبنا بسادتهم موثّقينا « 4 »
--> ( 1 ) سورة الأحزاب آية ، ( 37 ) . ( 2 ) سورة القصص آية ، ( 28 ) . ( 3 ) البيت في القرطبي ( 10 / 216 ) . ( 4 ) البيت من شواهد البحر ( 6 / 3 ) ، القرطبي ( 10 / 216 ) .